محمد بن محمد ابو شهبة
630
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
النبي المربّي المعلّم وقد ذكرنا انفا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لم يبعثني متعنتا ، وإنما بعثني معلّما ميسّرا » وقال : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال » « 1 » . وقد كانت حياته صلى اللّه عليه وسلم حياة تربية وتعليم ، وتأديب وتهذيب ، وبحسبنا شاهدا على هذا أنه بعث إلى قوم يعبدون الأصنام ، ويسفكون الدماء ، ويعتدون على الأعراض والأموال ، ويتظلمون ، ويتعاملون بالربا ، ويشربون الخمر ، ويغشون الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ويتفاخرون بالأحساب والأنساب ، فلم يزل بهم يربيهم ويتعهداهم حتى صيّر منهم مواحدين أتقياء ، وحكماء علماء ، وحلماء رحماء ، وإخوانا متحابين أصفياء ، وكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس في عقيدتها وعبادتها ، وعلمها وعملها ، وأخلاقها وسلوكها . من كان يظن أن معاقل الوثنية في الجزيرة العربية تصبح منارات للتوحيد الخالص ؟ ومن كان يظن أن العرب - وهم أشد الناس اعتزازا وتفاخرا بالأحساب والأنساب - يصبحون أكثر الأمم اعترافا بالمساواة وتطبيقا لها ؟ حتى لقد تسنّى لبلال الحبشي العبد الأسود أن يكون أول مؤذن في الإسلام ! ! وحتى قال عمر بن الخطاب العدوي القرشي في الصدّيق ومولاه بلال : ( هو سيدنا ، وأعتق سيدنا ) « 2 » ، وحتى عقل بلال خالد بن الوليد المخزومي القرشي بعمامته ، تنفيذا لأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، واستسلم خالد له ! ! فلما أجاب عما
--> ( 1 ) رواه مالك وأحمد . ( 2 ) رواه البخاري .